جارى التحميل....

أين توجد السعادة ؟

15/02/2019 مقالات456 مشاهدات

كل الناس يبحثون عن السعادة ، ولكن أكثرهم لا يعرف الطريق الموصِّل إليها ! بل يطلبها في أسباب الضنك والشقاوة ، فعندما يجد نشوةً عابرة في شهوةٍ محرمة ، يظن أنه وجد ضالَّته ! ولكن هذه اللذة والنشوة سرعان ما تذهب ويعقبها ضيقٌ وكآبة ، وأحزانٌ وتعاسة ، وهمومٌ وغموم ، وضنكٌ لا يفارقه ! فمهما تنعَّم ظاهره ، وأكل ما شاء ، وشرب ما شاء ، ولبس ما شاء ، وركب ما شاء ، فهو في داخله لا يرى أتعس منه ! فهل وجد أهل الغرب من التَّنعم في الظاهر ، سعادةٌ في الداخل وراحةً وانشراحاً في الصدر ؟ لعمْرُ الله ما وجدوا ذلك ، مع أنهم يمتِّعون أنفسهم بما شاءوا ، لا خطوط صفراء أمامهم ولا حمراء ، كل شيءٍ عندهم مباح ، فلماذا ينتحر في أمريكا سنويّاً عشرات الآلاف من الاشخاص ! فقد ذكرت النيويورك تايمز الأمريكية أنَّ أكثر من اثنين وأربعين ألف شخص انتحروا عام 2014 ، وقد ارتفت معدلات الانتحار في السنوات الاخيرة بكثير – هذا في أمريكا فقط وحدها ! – وقل مثل ذلك في بريطانيا .. وقل مثله في فرنسا .. والسويد .. فلماذا يملّون حياتهم ويتركون الشهوات والحرية كما يزعمون ويختارون الموت !! الجواب واضح أخبرنا من بيده كل شيء : { ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكا } .

فمن طلب الحياة السعيدة الطَّيبة في غير مرضاة الله ، فقد ضلّ وظهر منه أكبر الجهل ! فما عند الله لا يُنال إلا بالطاعة ، فيا أيها العبد المسلم إنَّ الله أنعم عليك بمعرفته فإنْ لم تجد السعادة فابحث عنها في التَّمسك بدينه والالتزام بأوامره ، فإنَّ كل عبدٍ نصيبه من الضَّنك والضيق بقدر إعراضه ، ونصيبه من السعادة بقدر إقباله على الله .. فمستقلٌّ ومستكثر !

من أراد السعادة والطمأنينة وانشراح الصدر والحياة الطيبة ، فليبحث عنها في الطاعة فقط ! قال الله تعالى : { من عمِل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينَّهم أجرهم بأحسنِ ما كانوا يعملون } . ولهذا قال أحد السلف مَمَّن يعرفون بالطاعة وقوَّة الايمان ، قال : واللهِ لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة ، لجالدونا عليها بالسيوف !

وهذا شيخ الاسلام سجن ، فكان يقول : وما يفعل بي أعدائي ! جنَّتي في قلبي .. مع أنه في السجن !

فالسعادة يا من تريد السعادة في طاعة الرحمن ، وفي القرب من الواحد الدَّيان .. السعادة قد يجدها فقير يسكن خيمة أو بيت من طين ، ويفقدها من يسكن أجمل المساكن ويركب أفخم المراكب ويملك ثروةٌ هائلة ! نعم .. لأنها في الدين .. وفي الدين فقط ! فاختر لنفسك ما شئت !

يقول الدكتور عبد الكريم بكَّار : ما نشاهده اليوم من اندفاعٍ نحو اللهو والسفر والسياحة وارتياد المطاعم ، والتمسك بالمظاهر والشَّكليات – على نحوٍ لم يسبق له مثيل – ما هو في تصوِّري سوى عبارة عن محاولات للتَّعويض عن السعادة الحقيقية التي فقدها كثيرٌ من الناس نتيجة انخفاض مستوى التزامهم ، واتِّساع الهوَّة بين ما يعتقدون وما يفعلون ، كل شيءٍ فيهم مشرق ومبتهج سوى القلب الذي تغشاه عتمة الانحراف والتقصير .

وقال أيضاً : إنَّ الناس اليوم يُعانون من جَدْبٍ روحي بسبب الحياة الماديَّة الصاخبة ، وهم يُحاولون تندية أرواحهم ، وإنعاش أحاسيسهم عن طريق ترفيه أجسادهم من خلال الفاخر من المأكل والملبس والمسكن والمركب … لكنهم مع الأسف لا يشعرون بالتَّحسُّن ؛ لأنَّ القحط الروحي سببه الغفلة والمعصية والأنانية ، ولا يمكن القضاء عليه إلَّا من خلال المزيد من التطوع والتعبد والتنفُّل .