جارى التحميل....

رحلة الآخرة

11/03/2020 مقالات407 مشاهدات

إنَّ هذه الحياة دار فناء لا دار بقاء ، ودار ممرّ لا دار مقرّ ، سريعة الانقضاء والزوال ، فالسعيد من تزود منها بصالح الأعمال ، كم أهلكت من أناسٍ أقوياء ، وأفنت من أقوامٍ أثرياء ! كم فرَّقت من جماعات ، وحالت دون أمنيات ! ومن تأمل حال من رحل من الآباء والأجداد ، ومن أقارب والأصحاب ، عرف قصر هذه الحياة الدنيا وحقارتها ! يا ألله ! بالأمس القريب كانوا معنا ، واليوم تحت التراب ، ما كأنهم عاشوا معنا أيام ! ولا كأنهم جالسونا أعوام ! في طرفة عين فارقونا وودعوا هذه الحياة الدنيا بلا رجعة !

أخي في الله .. أختي في الله ، ماذا تنتظروا ! ولماذا التسويف والتأخير ! أما علمتهم أنَّ الموت يأتي بغته !

هو الموتُ ما منه ملاذٌ ومهربُ .. متى حُطَّ ذا عن نعشِه ذاك يركبُ .

نشاهد ذا عينُ اليقينٍ حقيقةً .. عليه مضى طفلٌ وكهلٌ وأشيبُ !

فالبدار البدار ، قبل أن يهجم قاصم الأعمار !

تذكر القبر وظمته ، ووحشته وظلمته .. تذكر أول ليلة ما أصعبها ! تذكر عندما توضع في الحفرة فريداً وحيداً لا جليس معك ولا أنيس .. تذكر منكر ونكير .. تذكر أحواله وأهواله !

يا ألله .. كم تحت التراب من مُنعَّمٍ وآخرٌ في عذاب .. يا ألله .. ماذا وراء هذا السكون من أمورٍ عظيمة .. يقول الشاعر :

أتيتُ القبورَ فناديتُها .. أين المُعظَّمِ والمُحتقَر .

تفانوا جميعاً فما مُخْبِرٍ .. وماتوا جميعاً ومات الخبر .

أيا سائلي عن أُناسٍ مضوا .. أما لك فيمن مضى مُعتبر .

أخي في الله .. أختي في الله .. إنَّ من أشد الأهوال ، أهوال يوم القيامة ، في ذلك اليوم يشيبُ الولدان ، وتضعُ كلِّ ذاتِ حملٍ حملها ، وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد . { يومَ يفرُّ المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه * لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يغنيه } .

فيا ترى من يكون في ذلك اليوم من أهل الجنة فنهنيه ، ومن يكون من أهل النار – أعاذنا الله منها وإياكم – فنعزيه .إنها نهاية المطاف إما جنة وإما نار .. خلودٌ أبديّ .

فتذكر الجنة ونعيمها فيها ما لاعينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ بشر ! فيها من الأشجار والقصور والأنهار ، والحور العين والنعيم المقيم ، ما يأخذ بالألباب ! وتذكر النار وجحيمها وما فيها من العذاب الأليم .. ثم اعلم أنَّ الجنة لا تحصل بالتمني ! وإنما تحتاج إلى عمل ، فهلا حاسبت نفسك وأعدت النظر في أعمالك .. هل هي ترضي الله .. هل تدخلك الجنة ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يؤتى يومئذ بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ” . { وجيء بجهنم يومئذٍ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى * يقول يا ليتني قدَّمتُ لحياتي * فيومئذٍ لا يُعذِّبُ عذابه أحد ولا يُوثِقُ وثاقه أحد } .

بل تأمل حال أقل أهل النار عذاباً في ذلك اليوم .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل توضع تحت أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ” .

فيا ألله .. من نار شديدٌ حرها ، بعيدٌ قعرها ! يا رب .. رحماك رحماك ! من يستطيع الصبر على النار !

فلنستعد لهذه الرحلة المخوفة بالتوبة والعمل الصالح .. التوبة التوبة ، النوبة النوبة ، فالعمر قصير والحساب عسير والأمر واللهِ خطير !