جارى التحميل....

كيف تكون محبوباً

24/01/2020 مقالات433 مشاهدات

إن محبة الله ومحبة الخلق مطلب كل إنسان، وغاية كل عاقل، وهما مصدر سعادته، ومادة فلاحه في الدنيا والآخرة، ووالله ما تطيب الحياة إلا بهما ولا تحلو إلا بنيلهما، فمن حصلهما عاش عيشة هنيه، ومن فقدهما فما أسوأ حياته، وأتعس وأضيق أوقاته، وما أثقله على الناس وأثقل الناس عليه، وما أقربه للإضرابات النفسية، والمشاكل غير السوية، وهو أقل الناس صديق، وأوعرهم طريق.

فهيا بنا نعرف الأسباب الجالبة لمحبة الله ومحبة الناس ونطبقها لنعيش بسلام، وننعم في ظلها بنعمة الإسلام .. فنقول من أسباب المحبة:

  • إذا أحببت أحداً فأخبره، فإن ذلك يزيد في المحبة ويدخل على أخيك السرور ..

كان النبي صلى الله عليه وسلم يوماً جالساً مع أصحابه فمر رجل . فقال أحد جلسائه : يا رسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ” أأعلمته؟ ” ، قال: لا، قال: ” أعلمه ” . فلحقه فقال: إني أحبك في الله. فقال: أحبك الذي أحببتني له ” >

يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – فدل هذا على أنه من السنة إذا أحببت شخصاً أن تقول إني أحبك، وذلك لما في هذه الكلمة من إلقاء المحبة في قلبه ، لأن الإنسان إذا علم أنك تحبه أحبك مع أن القلوب لها تعارف وتآلف وإن لم تنطق الألسن.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” الأرواح جنود مجندة ما تعارف ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ” ، لكن إذا قال الإنسان بلسانه فإن هذا يزيده محبة في القلب.

فتقول: ” إني أحبك في الله ” .

  • سلامة الصدر، فالناس كل الناس القريب والبعيد يحبون سليم الصدر الذي لا يحقد ولا يكره ولا يبغض أحداً وسلامة الصدر تجعل الناس يألفون صاحبه ويحظى عندهم بمكانة عالية، ولهذا كان الصحابة يحبون من اتصف بهذه الصفة ويجلونه ، فقد قال عنهم إياس بن معاوية – رحمه الله – : ” كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدراً وأقلهم غيبة ” .

وقال الإمام الفضيل بن عياض – رحمه الله – : ” ما أدرك من أدرك عندنا بكثرة الصلاة والصيام وإنما أدرك بسخاء الأنفس، وسلامة الصدر، والنصح للأمة” .

فالذي يرفع مكانتك ليس كثرة صلاتك ولا كثرة صيامك. وهل تعرف أحدا أحبه الناس لهذا الشيء ؟ ؛ لا .. وإنما ارتفع عند الناس من ارتفع بسلامة صدره، وطهارة قلبه ..

يقول لي قريب لي وكنت أتحدث معه عن أبيه – رحمه الله – وكيف الناس يحبونه وفعلا كان محبوباً عند الجميع، فقال: أول ما توظفت في الفوج علموا أني ابنه طاروا بي .. هذا يسلم .. وهذا يجرني .. وهذا القول أنت ولد فلان ونعم .. وهذا يقول سلم لي على أبيك يقول : فلما رجعت إلى والدي أخبرته بذلك ، فقال: والله ما أعرف أحداً في الفوج يكرهني أو أكرهه !

أخذنا نتحدث أكثر فأكثر في هذا المجال ، وذكرنا عدة أشخاص من هذه النوعيات ، منهم أصحاب لي ومنهم أبي، ثم بالغنا في مدح أبي وأبيه – رحمهما الله – فقلت شيباننا ما مثلهم ! أعني أبي وأبيه .. فقال: الله يرحمهم ، سخاء ونظافة قلب .. .

فهنيئاً لمن كان هذا حاله .. إن ذكر ذكر بخير .. وإن غاب تاقت النفوس إليه ولهجت الألسن بالدعاء له والثناء عليه .. وكم سمعنا من الناس إذا ذكر من هذا حاله وأرادوا أن يمدحونه قالوا : فلان يحب الناس !.

نعم! يحب الناس فأصبح الناس يحبونه فلا تستغرب إذا قالوا عنه مثل هذا ! فما يكنون أجل وأعظهم، وما يحملونه في قلوبهم له من الحب أكثر وأنعم..

فكن واحدا من هؤلاء فوالله إنهم في عيشة وهناء.

قال سفيان بن دينا لأبي بشر – رحمهما الله تعالى – وكان ابو بشر من أصحاب علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال له: أخبرني عن أعمال من قبلنا ؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً . قال سفيان : ولم ذاك ؟ قال أبو بشر : لسلامة صدورهم.

  • أجعل كلامك طيبا ! إذا تكلمت فاختر أعذب الألفاظ .. ما أجمل أن يسمع الناس منك كلمة .. سم .. أبشر .. تفضل .. لا تكن جافاً !

استخدم هذا الأسلوب مع كل الناس .. أطلق العبارات الحلوة التي تحرك بها مشاعرهم .. وسترى شوقهم إليك ، وإحساسهم بأدبك ، وسمو أخلاقك.

إذا تكلمت فزين كلامك باللين، ولمعه بالرفق ، فهذا يجعل له في النفوس قبول ، فالكلام الطيب يسحر العقول!ّ وتأنس بسماعه القلوب، وتجد به في النفوذ إلى دواخلهم دروب.

ولا تنسى أن تمزجه بالمدح والثناء ، فالناس يحبون أن يسمعوا الإطراء!

ومن هو من الذي لا يحب ذلك؟!

في ذات صباح .. لقي النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى.. فقال له : ” لو رأيتني البارحة وأنا استمع لقرائك .. لقد أوتيت من مزامير آل داود ” .. فغمرت أبو موسى السعادة وكاد يطير من الفرح ! وقال : لو علمت تستمتع لقراءتي .. لحبرتها لك تحبيرا .

نعم .. لا تكتم مشارعك ! تعلم أن تبوح بما في داخلك من أحاسيس طيبة لهم ..

أذكر أني مرة قلت لطالبٍ عندي في التحفيظ : يعجبني فيك يا عبد الله أنك ذكياً .. فعلت وجهة ابتسامة عريضة وابتهج بما قلت !

إذا تحدثت مع الناس فأرجوك أرجوك ! جمله بخالص الدعاء فيا له من تأثير على صاحبه ويا له من نفع وإثراء ! فالناس يحبون من يدعو لهم ..

حتى أصحاب المعاصي والمنكرات يتأثرون بمن يفعل هذا . وجرب يوماً إذا وجدت صاحب منكر أن تدعو له ثم توجه له نصيحة . وبهذا تكون قد كسبت الحسنيين ومحبته وأجر الدعاء .. وربما استجاب لك لأنك مهدت لفتح قلبه لك بهذا الدعاء .. بل ربما تأثر بسرعة أكثر من تأثره من نصحك له طويلاً !

وهذه المهارة يغفل عنها بعض الناس، أو يجهلها ! فتمسك بها ..

إذا ناجيت الجليس ، وأحببت أن يكون بلقائك أنيس ،، فأجل صدق اللسان لك شعار فله في النفوس أثروآثار ومحبة وأسرار.

فالصدق من الصفات المحمودة والخصال المنشودة ويجعل صاحبه في منزلة مرموقة .. فالصدق خير وبركة فهو ” يهدي للبر ، والبري يهدي إلى الجنة ” .

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ” من كانت له عند الناس ثلاث ، وجبت له عليه ثلاث: ” إذا حدثهم صدقهم ، وإذا أئتمنوه لهم يخنهم ، وإذا وعدهم وفى لهم، وجب عليهم أن تحبه قلوبهم، وتنطق بالثناء عليه ألسنتهم ، تظهر له معونتهم ..

” فالصدق حسنة تنساق بصاحبها إلى حسنات ، فهو دليل على حسن السيرة ونقاء السريرة ، وسمو الهمة ، ورجحان العقل ..

فبالصدق يشرف قدر المرء ، وتعلو منزلته، ويصفو باله ، ويطيب عيشه، فهو ينجي صاحبه من رجس الكذب، ووخز الضمير ، وذل الاعتذار ، ويحميه من إساءة الناس إليه، ونزع الثقة منه، فيظل موفور الكرامة ، عزيز النفس، مهيب الجناب.

ولا يمكن أن يستقيم لأحد سؤوده ولا تعلو له مكانة، ولا يحرز قبولاً في القلوب ، ما لم يزرق لسان صدوق ” ([5]).

قال بعض البلغاء: ” الصادق مصان خليل، والكاذب مهان ذليل” .

فمن كان الصدق له سجية، أحبه الناس وأحبوا مجالسته وأحاديثه.. ومن كان الكذب له مطية كرهه الناس وكرهوا مجالسته وأحاديثه، ولم يكن له عندهم وزن ولا قيمة .. حتى قال أحد العامة لما ذكر عنده شخص معروف بالكذب، قال: الكذب ينزل من قدر الرجل.

يقول الشاعر:

كم من حسيب كريم كان ذا شرف ..

قد شانه الكذب وسط الحي إن عمدا ..

وآخر كان صعلوكا فشرفه ..

صدق الحديث وقول جانب الفندا ..

فصار هذا شريفا فوق صاحبه ..

وصار هذا وضيعا تحته أبدا ..

فاشخص المبدع والرجل العظيم ، هو الذي يعرف كيف يصطاد قلوب الناس ، هذا فن ولا يجيده كل الناس، ولا يحسنه إلا من تدرب عليه، وعود نفسه عليه .. فالكلام الطيب ، الكلام الطيب..

  • لا تتكلم في أحد ولا تنتقد ، إذا فعلت ذلك فأنت المحبوب عند كل الناس .. وأما الشخص الذي لا يعرف إلا الانتقاد والتركيز على السلبيات فهو يبعد الناس عنه، وينفرهم منه ..

أعرف واحداً من أصحابي من هذا النوع لا يكاد يعجبه شيء مهما عملت له ..

كنا جالسون يوماً نتعشى فقال: الأرز حلو بس إنه قاسي .. والحمضيات حلو بس إنه حار ! ضحكنا منه وتعجبنا من حاله ..

” نعم بعض الناس يزعجك بكثرة انتقاده .. فلا يكاد أحد يسلم من انتقاده .. دائم الملاحظات .. يدقق على الكبيرة والصغيرة .. أعرف أحد الناس .. زاملته طويلاً في أيام الثانوية والجامعة .. ولا تزال علاقتنا مستمرة .. إلا أني لا أذكر أنه أثنى على شيء .. أسأله هم كتاب ألفته وقد أثنى عليه أناس كثيرا وطبع منه مئات الآلاف فيقول ببرود .. والله جيد .. ولكن فيه قصة غير مناسبة .. وحجم الخط ما أعجبني ونوعية الطباعة أيضا سيئة .. و .. وأسأله يوماً عن أداء فلان في خطبته .. فلا يكاد يذكر جانباً مشرقا .. حتى صار أثقل على من الجبل .. وصرت لا أسأله أبداً عن رأيه لأني أعرفه سلفاً .

من كان هذا حاله عذب نفسه في الحقيقة وكرهه أقرب الناس إليه واستثقلوا مجالسته .. ” .

  • رد السلام ، وهو مما يزرع المودة ، ويدعو إلى المحبة ، وهو من أسباب التآلف بين المسلمين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تدخلوا الجنة حتى تأمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم؟ أفشوا السلام بينكم ” .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ” إن مما يضفي لك ود أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس ” .

  • البشاشة ، فالابتسامة رسالة المحبة، ومفتاح القلوب ، قال جعفر المنصور : ” إن أحببت أن يكثر الثناء الجميل عليك من الناس بغير قائل – فألقهم ببشر حسن ” .

قيل للعتابي: إنك تلقي الناس كلهم بالبشر؟

قال: ” دفع ضغينة بأيسر مؤنة وكسب إخوان بأيسر مبذول ” .

يقول الشاعر:

أخو البشر محبوب على حسن بشره ..  

ولن يعد البغضاء من كان عابساً

وقال آخر:

البشر يكسب أهله ..  صدق المودة والمحبة

والتيه يستدعي لصا ..  حبه المذمة والمسبة

وقال ابن عقيل الحنبلي – رحمه الله – : ” البشر مؤنس للعقول ، ومن دواعي القبول ، والعبوس ضده ” .

يقول أحد المؤلفين : ” لو قلت لي مائة مرة أنا أحبك ، وأنت تعبس متجهماً فإن صدى كلماتك سيضيع في الهواء ، ولكن الابتسامة تقول أنا أحبك دون كلمات ، الابتسامة تقول : لقد جعلتني رؤياك سعيداً ، وأتمنى لك السعادة كما أسعدتني ” .

  • التواضع ، فالتواضع خلق يرفع قدر صاحبه بين الناس ويكسبه مودتهم وإعجابهم به ومحبتهم، قال صلى الله عليه وسلم : ” من تواضع لله رفعه ” .

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر …   على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه …  على طبقات الجو وهو وضيع

  • احترام الآخرين ، فالناس يحبون من يحترمهم ، ويقدرون من يقدرهم ، ويحبون من يشعرهم بقيمتهم ويظهر لهم مكانتهم.
  • الكرم، فمن اتصف بهذه الصفة كثر محبوه وقل شانؤه، وطابت مجالسته، وطلبت مؤانسته، ونال الذكر الجميل والثناء والسيادة بين الناس ..

قيل لبعض سادات العرب: بم سدت قومك ؟

قال : عفوت لهم عن عرضي ، وبذلت لهم مالي ، وبسطت لهم وجهي فأحبوني وجعلوني سيدهم ..

والكرم يخفي العيوب والمساوئ .

يقول الشاعر:

وإن كثرت عيوبك في البرايا .. وسرك أن يكون لها غطاء ..

تستر بالسخاء فكل عيب ..  يغطيه كما قيل السخاء ..

فكن كريماً ، فما أقرب الكريم من قلوب الناس ، وما أعظمه وأجله في أعينهم ..

  • التحلي بحسن الخلق ، وإن كان بعض ما تقدم منه ولكن أفردتها لأهميتها – فمن أعطى حسن الخلق فقد أعطي الخير كله والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته ، ومن حرم منه كان ذلك سبيلاً إلى كل شر وبلية، وطريقاً إلى كل هم وغم. واجب عباد الله إلى الله وإلى خلقه أحسنهم أخلاقاً، فعن أسامة بن شريك – رضي الله عنه – قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، كأنما على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم ، إذا جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله؟

قال : ” أحسنهم أخلاقاً ” .

  • الإحسان إلى الآخرين ، قال تعالى : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) فيا الله كم للإحسان من تأثير كبير ، ووقع في النفوس ، وإشاعة للمحبة وطريقة للمودة . فهو من أسهل السبل لكسب الناس ، وأنفع الوسائل لاجتذابهم ، وأعظم الأسباب لنيل محبتهم واقترابهم ، وكم أدخل على صاحبه الفرح والسرور ، والبهجة والحبور ، يقول الشاعر:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم .. فطالما استعبد الإنسان إحسان !

  • إخدم الآخرين، يقول أحد الكتاب: ” إذا أردنا نكسب الآخرين كأصدقاء ، فعلينا أن نكرس أنفسنا في خدمة هؤلاء الآخرين ” .

ويقول المثل: ” سيد القوم خادمهم ” . فالناس يفرحون بالشخص الخدوم ويطربون له عند غيابه وفي القدوم ومحبته معهم أينما رحلوا وأينما توجهوا وقفلوا .

وأما الشخص الذي لا ينفع فما أبعده عن الناس ، وما أكثر من يلومه ويذمه .

والعامة تقول : ” لاشفعة ولا نفعة ” !

وإذا أرادوا أن يسبوا أحداً، قالوا : ما ينفع في سبع المذاهب !

  • اهتم بالآخرين ، أجعل كل شخص يشعر أنه مهم عندك، فكلما أظهرت الاهتمام بالناس أكثر .. كلما ازدادوا لك حبا وتقديراً . أشعرهم بقيمتهم ، شاركهم أفراحهم . وشاطرهم أتراحهم ، أظهر لهم أنك تحب الخير لهم ، ويسرك ما يسرهم ويضرك ما يضرهم .

لما هجر الناس كعب بن مالك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخلفه عن غزوة تبوك، واستمر على ذلك خمسون يوماً، نزلت توبته ، فأخذ الناس يهنؤنه، ولكن طلحة فعل فعلاً جميلاً يملك به قلبه، يقول: ” فلما رؤني والله ما قام منهم إلا طلحة بن عبيد الله ” قام إليه فاعتنقه وهنأه .. فزادت محبة كعب له .. حتى كان يقول بعد موت طلحة .. وهو يحكي القصة بعد سنين: فوالله لا أنساها لطلحة .. وماذا فعل طلحة؟ فعل مهارة رائدة .. اهتم به .. شاركه فرحته فصار له عنده حظوة ..

الاهتمام بالناس ومشاركتهم في مشاعرهم يأسر قلوبهم .. لو كنت في زحمة الامتحانات .. ووصلت إلى هاتفك المحمول رسالة مكتوب فيها .. بشرني عن امتحاناتك والله إن بالي مشغول عليك وأدعو لك – صديقك إبراهيم .. أليس ستزداد محبتك لهذا الصديق؟ بلى ..

ولو كان أبوك مريضا في المستشفى .. فبقيت معه في غرفته وأنت مشغول البال عليه .. واتصل بك صديق وسأل عنه .. وقال تحتاج مساعدة؟ نحن في خدمتك .. فشكرته .. ثم في المساء اتصل وقال : إذا الأهل يحتاجون أي شيء اشتريه لهم .. فأخبرني .. فشكرته ودعوته له .. ألا تشعر أن قلبك ينجذب إليه أكثر .. ؟

يقول صاحب كتاب كيف تكسب الأصدقاء : ” باستطاعتك أن تكسب أصدقاء خلال شهرين ، من خلال الاهتمام بهم أكثر مما تستطيع كسبه خلال سنتين من خلال جذب الآخرين للاهتمام بك ” .

  • تحدث مع جلسائك عن الأشياء التي يحبونها ، أثر النقاش فيها ، فستجد القلوب تميل إليك، والأفئدة تقبل عليك، وستجد انجذاب الناس ومحبتهم فالناس يحبون من يتحدث معهم عن محور اهتمامهم .. وقد جربت هذا الأسلوب فلمست تأثيراً واضحا وإقبالا وأنساً من جليسي وتفاعلاً .. كنت إذا جلست مع الشباب أتحدث معهم عن الرياضة، وكيف كنا نمارسها قديماً ! .. أو اتحدث معهم عن المدرسة وما يتعلق بها .. وإذا جلست مع العجائز – عماتي – أحدثهن عن الزواج .. الطلاق .. المواليد .. فلان وفلانة كم أبنائهم .. ما أسمائهم من أكبرهم .. وهكذا .. فأجدهن يسترسلن في الكلام ويتمعن بالحديث !

ألبس لكل حالة لبوسها ..   إما نعيمها وإما بؤسها ..

فكل واحد كما يقول الشباب : أعطيه جوه ! ”

يقول الشيخ محمد العريفي : أذكر أن عجوزاً صالحة – وهي أم لأحد الأصدقاء – كانت تمدح أحد أولادها كثيراً .. وترتاح إذا زارها وتحدث معها .. مع أن بقية أولادها يبرون بها ويحسنون إليها .. لكن قلبها مقبل هلى ذاك الولد ..

كنت أبحث عن السر .. جلست معه مرة فسألته عن ذلك .. فقال لي :

المشكلة إن إخواني لا يعرفون طبيعة أمي .. فإذا جلسوا معها صاروا عليها ثقلاء ..

فقلت له مداعباً : وهل اكتشف معاليكم طبيعتها .. !

ضحك صاحبي وقال : نعم .. سأخبرك بالسر .. أمي كبقية العجائز .. تحب الحديث حول النساء وأخبار من تزوجت وطلقت .. وكم عدد أبناء فلان وفلانة وأيهم أكبر .. ومتى تزوج فلان وفلانة ؟

وما اسم أول أولادها ..

إلى غير ذلك من الأحاديث التي اعتبرها أنا غير مفيدة .. لكنها تجد سعادتها في تكرارها .. وتشعر بقيمة المعلومات التي تذكرها .. لأننا لن نقرأها في كتاب ولن نسمعها في شريط .. ولا تجدها قطعاَ – في شبكة الإنترنت !! فتشعر أمي وأنا أسألها عنها أنها تأتي بما لم يأت به الأولون .. فتفرح وتنبسط فإذا جالستها حركت فيها هذه المواضيع فابتهجت .. ومضى الوقت وهي تتحدث .. وإخواني لا يتحملون هذه الأخبار .. فيشغلونها بأخبار لا تهمها .. وبالتالي تستثقل مجالستهم وتفرح بي ! هذا كل ما هنالك .

نعم أنت إذا عرفت طبيعة من أمامك .. وماذا يحب وماذا يكره .. استطعت أن تأسر قلبه … ” .

  • الزيارة من حين لآخر ، فهي مما يقوي أواصر المحبة ، وفي الحديث : ” زر غباً تزد حباً ” يعني من وقت لآخر ، لأن الإكثار منها يبعث على الملل والسآمة والإقلال منها يزرع في النفوس شيئاً من الحقد والشعور بالتقصير والجفاء ، هذا إذا كان من غير أصحابك المقربين ، أما الصديق فلا بأس بزيارته ولو كل يوم ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أبا بكر – رضي الله عنه – كل يوم ..

تقول عائشة – رضي الله عنها – ” لقل يوم كان يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا يأتي فيه بيت أبي بكر طرفي النهار ” وفي رواية ” ولم يمر عليهما يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ” .

وأما الحديث المتقدم فلا منافاة بينه وبين حديث عائشة . قال ابن حجر : ” لأن عمومه يقبل التخصيص ، فيحمل على من ليست له خصوصية ومودة ثابتة فلا ينقص كثرة زيارته من منزلته ” .

قال ابن بطال : ” الصديق الملاطف لا يزيده كثرة الزيارات إلا محبة بخلاف غيره ” .

فأعط كل ذي حق حقه من الزيارة ، بحسب قربه وبعده ..

  • الزهد ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس ؟ فقال : ” أزهد الدنيا يبحك الله ، وأزهد فيما عند الناس يحبك الناس ” .

فإذا أنت استغنيت عن الناس ولم تحتج إليهم أحبوك وقربوك ، أما إذا احتجت إليهم كرهوك ومقتوك ، فلا تتطلع إلى ما في أيديهم ولا تكثر عليهم الطلبات ، ولا تسألهم شيئاً لأنك إذا فعلت هذا أثقلت عليهم فاستثقلوك ، وملوا منك وأبغضوك .

  • التقوى وطاعة الله ، فالله يحب التائبين ويحب أهل الاستقامة والطاعة ، والناس يحبون من يبر بوالديه ، ويحبون من يصل رحمه ، ويحبون من يحافظ على الصلاة .. وهكذا . فالله إذا أحب عبدا جعل له في قلوب الناس محبة ، قال تعالى : ” إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ” . يقول القرطبي : أي حبا في قلوب عباده، وثناء حسنا .

وهذا مشاهد محسوس فكم من الناس من كان منبوذا من الجميع فلما رجع إلى الله وتاب ، أصبح محبوبا معززا مكرما .

وفي الحديث : ” إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل ، فقال : إني أحب فلان فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض . وإذا أبغض عبدا دعا جبريل ، فيقول : إني أبغض فلانا فأبغضه ، فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فابغضوه، فيبغضوه ، ثم توضع له البغضاء في الأرض ” .

يقول ابن حجر – رحمه الله – : ” والمراد بالقبول في حديث الباب ، قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه ” .

وإذا أحب الله يوما عبده … ألقى عليه محبة في الناس .

قال هرم بن حبان: ” ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل ، إلا أقبل الله عز وجل بقلوب أهل الإيمان إليه ، حتى يرزقه مودتهم ومحبتهم ” .

قال القرطبي – رحمه الله – :

” قلت : إذا كان محبوبا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة ، فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنا تقيا ، ولا يرضى إلا خالصا نقيا ، جعلنا الله تعالى منهم وبمنه وكرمه ” .

فعلى المرء أن يسعى في الحصول على هذه المحبة وذلك بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتقرب إلى الله بفعل الطاعات ، واجتناب المنكرات ، والإكثار من النوافل والمستحبات ، وفي الحديث القدسي ، قال رسول الله صلى عليه وسلم : ” قال الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، ومن وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليَ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليَ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ورجله التي يمشي بها ، ويده التي يبطش بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ” .

” فاطلب محبة الخالق .. وهو يتكفل بزرع محبتك في قلوب خلقه .. ” .

جعلنا الله وإياكم من أهل محبته وطاعته ، وغفر لنا وأدخلنا جنته بفضله ورحمته ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه