جارى التحميل....

النهاية عند إظهار المعاصي

02/11/2019 مقالات169 مشاهدات

يقول ابن القيم – رحمه الله – مبيِّناً عقوبة إظهار المعاصي ، : ( فمما ينبغي أنْ يُعلَم أنَّ الذنوب والمعاصي تضرُّ ولا بدَّ ، وهل في الدنيا والآخرة شرٌّ إلا وسببه الذنوب والمعاصي ؟ فما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال ؟

وما الذي سلَّط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجازُ نخلٍ خاوية ، ودمَّرت ما مرَّت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابِّهم ، حتى صاروا عبرةً للأمم إلى يوم القيامة ؟

وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطَّعت قلوبهم في أجوافهم ، وماتوا عن آخرهم ؟

وما الذي رفع قرى اللُّوطيَّةِ حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ، ثمَّ قَلَبَها عليهم ، فجعل عاليها سافلها ، فأهلكهم جميعاً ، ثمَّ أتبعهم حجارةً من السماء أمطرها عليهم ، فجمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أمةٍ غيرهم ، ولإخوانهم أمثالها ، وما هي من الظالمين ببعيد ؟

وما الذي أرسل على قوم شعيبٍ سحاب العذاب كالظُّلل ، فلمَّا صارَ فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظَّى ؟

وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ، ثمَّ نقل أرواحهم إلى جهنَّم ، فالأجساد للغرق ، والأرواح للحَرق ؟

وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله ؟

وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمَّرها تدميراً ؟

وما الذي أهلك قوم صاحب يس~ بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم ؟

وما الذي بعث على بني إسرائيل قوماً أولي بأسٍ شديدٍ ، فجاسوا خلال الديار ، وقتلوا الرجال ، وسبوا الذرية والنساء ، وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ، ثمَّ بعثهم عليهم مرَّةً ثانيةً فأهلكوا ما قدروا عليه وتبَّرُوا ما علوا تتبيرا ؟

وما الذي سلَّط عليهم أنواع العقوبات ، مرَّةً بالقتل والسَّبي وخراب البلاد ، ومرَّةً بجَوْرِ الملوك ، ومرَّةً بمسخهم قردةً وخنازير ، وآخِرُ ذلك أقسَم الرَّبُّ تبارك وتعالى : { ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } .

قال الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا صفوان بن عمرو ، حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه ، قال : ” لما فُتِحَتْ قبرص فَفُرِّق بين أهلها ، فبكى بعضهم إلى بعض ، رأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي ، فقلت : يا أبا الدرداء ! ما يبكيك في يومٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله ؟ فقال : ويحك يا جبير ، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره ! بينا هي أمةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ لهم الملك ، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى ! ” .

وقال علي بن الجعد : أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرَّة ، قال : سمعت أبا البختري يقول : أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” لن يَهلك الناس حتى يُعذروا من أنفسهم ” .

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إذا ظهرت المعاصي في أُمَّتي عمَّهم الله بعذابٍ من عنده ” فقلت : يا رسول الله ! أما فيهم يومئذٍ أُناسٌ صالحون ؟ قال : ” بلى ” ، قلت : فكيف يُصنَع بأولئك ؟ قال : ” يُصيبهم ما أصاب الناس ، ثمَّ يصيرُون إلى مغفرةٍ من الله ورضوان ” .

وفي ” المسند ” و ” السنن ” ، من حديث عمرو بن مرَّة عن سالم بن أبي الجعد عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنَّ من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه النَّاهي تعذيراً ، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشارَبَه ، كأنه لم يَرَهُ على خطيئةٍ بالأمس ، فلمَّا رأى الله عز وجل ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ، ثُمَّ لعنهم على لسان نبيِّهم داود وعيسى بن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . والذي نفسُ محمد بيده ؛ لتأمُرُنَّ بالمعروف ، ولتنهنَّ عن المنكر ، ولتأخُذُنَّ على يد السفيه ، ولتأطُرُنَّه على الحقِّ أطراً ، أو ليضربَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض ، ثُمَّ ليلعنكم كما لعنهم ” .

وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال : أوحى الله إلى يُوشَع بن نون : إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم ، وستين ألفاً من شرارهم . قال : يا ربِّ ! هؤلاء الأشرار ، فما بال الأخيار ؟ قال : إنَّهم لم يغضبوا لغضبي ، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم ” .

وذكر أبو عمر بن عبد البرِّ عن أبي هِزَّان ؛ قال : ” بعث الله عز وجل ملكين إلى قريةٍ : أنْ دَمِّراها بمن فيها ، فوجدا فيها رجلاً قائماً يصلي في مسجد ، فقالا : يا ربِّ ! إنَّ فيها عبدك فلاناً يُصلِّي ، فقال الله عز وجل : دَمِّرَاها ودَمِّراهُ معهم ، فإنه ما تمعَّر وجهه فيَّ قَطُّ ” .

وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينه ، قال : حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر : ” أنَّ ملكاً أُمِرَ أنْ يخسف بقريةٍ ، فقال : يا ربِّ ! إنَّ فيها فلاناً العابد ، فأوحى الله عز وجل إليه : أنْ به فابدأْ ، فإنه لم يتمعَّر وجهه فيَّ ساعةً قطُّ ” .

وذكر الإمام أحمد عن صفية ؛ قالت : ” زُلْزِلَتِ المدينة على عهد عمر فقال : يا أيها الناس ! ما هذا ؟ ما أسرع ما أحثتم ! لئن عادت لا أُساكِنكُم فيها ” .

وقال كعب : ” إنما تُزلزل الأرض إذا عُمِلَ فيها بالمعاصي فترعدُ فَرَقاً من الرَّبِّ جلَّ جلاله أنْ يطَّلع عليها ” .

وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر يرفعه : ” والذي نفسي بيده ؛ لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أُمَرَاءَ كَذَبَةً ، ووزراء فجَرَةً ، وأعواناً خونةً ، وعرفاء ظلمة ، وقُرَّاء فَسَقَةً سيماهم سيماء الرُّهبان وقلوبهم أنتن من الجيف ، أهواؤهم مختلفة ، فيفتح الله لهم فتنةً مُظلمةً فيتهاوكون فيها . والذي نفس محمد بيده ؛ ليُنقضنَّ الإسلام عروة عروة حتى لا يُقال : الله الله . لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ، أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم .. ” .

وذكر الإمام أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم ؛ قال : قال أبو بكر الصديق : ” أيها الناس ! إنكم تتلون هذه الآية ، وإنكم تضعونها على غير موضعها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم } ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إنَّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يُغيِّروه ، يوشك أنْ يعمهم الله بعقابٍ من عنده ” .

وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا خَفِيَتِ الخطيئة لم تضرَّ إلا صاحبها ، وإذا ظَهَرَتْ فلم تُغيَّر ضَرَّتِ العامَّة ” .

وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” سيظهر شرار أمَّتي على خيارها ، حتى يستخفي المؤمن فيهم ، كما يستخفي المنافق فينا اليوم ” .

وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال : ” يأتي زمانٌ يذوب فيه قلبُ المؤمنِ كما يذوبُ الملحُ في الماء ، قيل : مِمَّ ذاك يا رسول الله ؟ قال : فيما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره ” . ( 1 ) .

انتهي كلام ابن القيم – رحمه الله – وكأنه والله يعنيننا ! والله يا عباد الله إنَّ ما نراه اليوم منذر بعذابٍ من الله ، فاتقوا الله عباد الله ، لا تدخلوا أماكن الفسق والفجور أن يصيبكم ما أصاب غيركم مِمَّن سلف .. ولا تنسوا حديث : ” ليكونن في هذه الأمة خسفٌ ، وقذفٌ ، ومسخٌ ، وذلك إذا شربوا الخمور ، واتخذوا القينات ، وضربوا بالمعازف ” .

( 1 ) – الجواب الكافي ؛ لابن القيم : ( ص : 65 ) وما بعدها .